السيد نعمة الله الجزائري
225
الأنوار النعمانية
من الكلام في تأويل الآي جملة ، ولا ينبغي لاحد ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد مفصلا ان يقلد أحدا من المفسرين الا ان يكون التأويل مجمعا عليه فيجب اتباعه لمكان الاجماع لان من المفسرين من حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ، وفيهم من ذمت مذاهبه كأبي صالح والسدي والكلبي وغيرهم هذا في الطبقة الأولى . واما المتأخرون فكلّ واحد منهم نصر مذهبه وتأوّل على ما يطابق أصله فلا يجوز لاحد ان يقلد أحدا منهم بل ينبغي ان يرجع إلى الأدلة الصحيحة ، اما العقلية أو الشرعية من اجماع عليه أو نقل متواتر به عمّن يجب اتباع قوله ، ولا يقبل في ذلك خبر واحد وخاصة إذا كان مما طريقه العلم ، ومتى كان التأويل مما يحتاج إلى شاهد من اللغة فلا يقبل من الشاهد الا ما كان معلوما بين أهل اللغة شايعا فيما بينهم ، فأما ما طريقه الآحاد من الأبيات النادرة فإنه لا يقطع بذلك ولا يجعل شاهدا على كتاب اللّه وينبغي ان يتوقف فيه ، ويذكر ما يحتمله ولا يقطع على المراد منه بعينه ، فإنه متى قطع على المراد كان مخطئا وان أصاب الحق ، كما روى عنه صلّى اللّه عليه وآله قال ذلك تخمينا وحدسا ولم يصدر ذلك عن حجة قاطعة وذلك باطل بالاتفاق انتهى . وهو كلام رشيق انيق ، ويستفاد من آخره ان القول فيما يدرك من القرآن بقواعد لعربية تخمينا وتشهيا خطأ أيضا وان أصاب وقد أشار إلى هذا المحقق الشريف في حاشية الكشاف ويظهر من كلام الشيخ ( ره ) انّ اللفظ إذا احتمل وجوها ولم يذكر المتقدمون الا وجها واحدا منها لم يجز للمتأخر ان يحمل الآية على غيره . وذهب الاجل المرتضى ( ره ) في الذريعة إلى جوازه وهذه عبارته والذي يوضح ما ذكرناه انا إذا تأولنا قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ على أن المراد بها الانتظار لا الرؤية ، وفرضنا انه لم ينقل عن المتقدمين الا هذا الوجه دون غيره جاز للمتأخر ان يزيد على هذا التأويل ويذهب إلى أن المراد أنهم ينظرون إلى نعم اللّه لان الغرض في التأويل جميعا انما هو ابطال ان يكون اللّه تعالى في نفسه مرئيا والتأويلان مشتركان في دفع ذلك ، وقد قام كل واحد مقام صاحبه في الغرض المقصود وجرى التأويلان مجرى الأدلة في أنه يغني بعضها عن بعض ، ثم قال وقد خالفت في هذا المذاهب انتهى . ولا بأس به غير أن مراده بالمذاهب بعضها فان المخالف في ذلك بعض العامة واما أكثرهم فمعترفون بان استنباط المعاني على قوانين اللغة العربية مما لا قصور فيه بل يعدونه فضلا وكمالا كما يعلم من تتبع كلامهم وما ذكره من جواز التأويل لا يخلو من قوة وقد بقي من عالم الملكوت أحوال كثيرة كالآجال والارزاق نذكرها ان شاء اللّه تعالى في الأنوار الأرضية . واما خلق النهار والليل وان أيهما اسبق فروى عن الرضا عليه السّلام انه قد سألني رجل بالمدينة فقال النهار خلق قبل أم الليل ، وكان الفضل بن سهل والمأمون حاضرين فقلت لهم فما عندكم